الشيخ محمد رشيد رضا
19
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فيها ، وإذا قيل لهم في ذلك قالوا ما ذا نعمل ؟ ما في اليد حيلة . العامة عمى . آخر زمان وأمثال هذه الكلمات هي جيوش الباطل تؤيده وتمكنه في الأرض ، حتى يحل بأهله البلاء ويكونوا من الهالكين وأعجب من هذا الذي ذكره الامام انك ترى هؤلاء المعترفين بهذه البدع والأهواء ينكرون على منكرها ، ويسفهون رأيه ويعدونه عابثا أو مجنونا ، إذ يحاول ما لا فائدة فيه عندهم ، فهم يعرفون المنكر وينكرون المعروف ، ويدعون مع ذلك انهم على شيء من العلم والدين . وأعجب من هذا الأعجب ان منهم من يرى أن إزالة هذه المنكرات والبدع ، ومقاومة هذه الأهواء والفتن ، جناية على الدين ، ويحتج على هذا بأن العامة يحسبها من الدين ، فإذا أنكرها العلماء عليهم تزول ثقتهم بالدين كله لا بها خاصة ! ! وبأنها لا تخلو من خير يقارنها كالذكر الذي يكون في المواسم والاحتفالات التي تسمى بالموالد وكلها بدع ومنكرات ، حتى أن الذكر الذي يكون فيها ليس من المعروف في الشرع ! ! والسبب الصحيح في هذا كله هو محاولة إرضاء الناس بمجاراتهم على أهوائهم وتأويلها لهم ، ولولا ذلك لما سكت العالمون بكونها بدعا ومنكرات عليها ، انهم انما سكتوا بالثمن ( اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا ) وهم مع ذلك يظهرون التعجب من جحود أهل الكتاب للنبي والقرآن ، وما كانوا أشد منهم جحودا ، ولا أقوى جمودا هذا إيماء إلى اتباع العلماء أهواء العامة بعد ما جاءهم من العلم وما نزل عليهم في الكتاب من الوعيد عليه . ولو شرح شارح اتباعهم لأهواء السلاطين والامراء والوجهاء والأغنياء ، وكيف يفتونهم ويؤلفون الكتب لهم ، ويخترعون الاحكام والحيل الشرعية لأجلهم ، وكيف حرموا على الأمة العمل بالكتاب والسنة وألزموها كتبهم - لظهر لقاريء الشرح كيف أضاع هؤلاء الناس دينهم ، فسلط اللّه عليهم من لم يكن له عليهم سبيل ، ولبان له وجه التشديد في الآية بتوجيه الوعيد فيها إلى النبي المعصوم المشهود له بالخلق العظيم ، فلا يكبرن عليك أن تحكم على من يسمون أنفسهم أو يسميهم الحكام كبار العلماء بأنهم من الظالمين ، إذا اتبعوا أهواء العامة أو شهوات الأمراء والسلاطين